ابن المقفع
115
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
ولكن ينبغي لك في حبّ ما تحبّ من الخير التحامل على ما يستثقل منه ، وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشرّ التجنّب لما تحبّ منه . * الدّنيا زخرف يغلب الجوارح « 1 » ما لم تغلبه الألباب ، والحكيم من يغضي عنه طرفه ولم يشغل به قلبه ، أطلع من أدناه في ما وراءه وذكر في بدئه لواحق شرّه ، فأكل مرّة وشرب كدره ليحلولي له ، ويصفو في طول من إقامة العيش الذي يبقى ويدوم غير عائف للرشد ، إن لم يلقه برضاه ولم يأته من طريق هواه . * لا تألف المستوخم « 2 » ، ولا تقم على غير الثّقة . * قد بلغ فضل اللّه على النّاس من السّعة وبلغت نعمته عليهم من السّبوغ ، ما لو أنّ أخسّهم حظا وأقلّهم منه نصيبا وأضعفهم علما وأعجزهم عملا وأعياهم لسانا بلغ من الشّكر له والثناء عليه بما خلص إليه من فضله ووصل إليه من نعمته ، ما بلغ له منه أعظمهم حظا وأوفرهم نصيبا وأفضلهم علما وأقواهم عملا وأبسطهم لسانا لكان عمّا استوجب اللّه عليه مقصّرا وعن بلوغ غاية الشّكر بعيدا . ومن أخذ بحظه من شكر اللّه وحمده ومعرفة نعمه والثناء عليه والتحميد له فقد استوجب بذلك من أدائه إلى اللّه والقربة عنده والوسيلة إليه والمزيد في ما شكره عليه ، خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة . * أفضل ما يعلم به علم ذي العلم وصلاح ذي الصّلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك من استطاع من النّاس ويرغّبهم في ما رغب فيه لنفسه من حبّ اللّه وحبّ حكمته ، والعمل بطاعته والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه ، وأن يبين الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه ، وأن يورث ذلك أهله ومعارفه ليلحقه أجره من بعد الموت . 5 - الدين أفضل المواهب التي وصلت من اللّه تعالى إلى خلقه وأعظمها منفعة وأحمدها في كلّ حكمة .
--> ( 1 ) الجوارح : جمع جارحة وهي العضو من الجسم . ( 2 ) استوخم ( الطعام ) : توخّمه أي وجده وخيما والوخيم الثقيل .